Custom Search
الرئيسية / مقالات / جمال سلطان يكتب :تجربة ملهمة من السعودية

جمال سلطان يكتب :تجربة ملهمة من السعودية

جمال سلطان
جمال سلطان

جمال سلطان رئيس تحرير جريدة “المصريون”

الحضارة لا تبنى بقرار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي ، وإنما تبنى بثقافة إنسانية خلاقة ومبدعة ومهمومة بالناس والمجتمع والمستقبل تنتشر بين الناس وتترسخ في وعيهم وممارساتهم ، واعتصار الخيال المسئول للخروج بأفكار تخدم المكان والزمان وتساعد الإنسان على صناعة الحضارة ولو بإسهام صغير مهما كان حجمه .

لا أحد في مصر سمع عن المواطن السعودي “تركي المحيفر” ، ولا أعتقد أن كثيرين في السعودية نفسها اهتموا كثيرا بأخباره ، إلا نخبة صغيرة من المثقفين تابعوا تجربته عبر مواقع التواصل الاجتماعي فعرفت بها ، “تركي المحيفر” مواطن من أهالي حائل في شمال المملكة ، فرغ نفسه تقريبا للعناية بالبيئة في منطقته ، وتفتق ذهنه عن الاستفادة من مياه الأمطار لصناعة سياج من الشجر والخضرة حول المدينة أو في بعض وجهاتها ووديانها ، فقام ـ وحده ـ بزراعة خمسة وعشرين ألف شتلة لشجرات معروفة نوعها في بيئة حائل ، وقال أنه هدف من ذلك أن يضفي لمسة جمال على المنطقة ، ويساهم في تنقية المناخ باعتبار الخضرة والشجر من أهم ما يدعم ذلك ، إضافة إلى رغبته في تقديم نموذج عملي يصنع القدوة للشباب من أجل أن يسهموا في إعمار بلادهم وتقديم ما يضيف إلى بيئتها من صحة أو جمال ، وقال تركي أنه يخطط خلال الأشهر الأربعة المقبلة في الوصول إلى زراعة مائة ألف شتلة .

تخيلوا معي لو أن مائة شخص فقط تطوعوا للعمل معه أو العمل مثله ، هذا يعني أننا خلال عام واحد على الأقل يمكن أن يكون لدينا في حائل وحدها قرابة عشرة ملايين شجرة ، ولنا أن نتخيل وجه تلك المنطقة عندئذ وروعة المكان والحس الجمالي في المنطقة ، ومن تجول في بعض أحياء المدن الأوربية الكبرى والعريقة يعرف مغزى ذلك ويتخيل صورة المكان وبهاءه .

تجربة السعودي “تركي المحيفر” تجربة ملهمة بالفعل ، وقد كتبت هذه السطور تكريما له ، رغم أني لا أعرفه ولم أتشرف بمقابلته من قبل ، لكن مثل هذه الطاقات المخلصة لوطنها ، والتي تفكر فيما ينفع الناس ، جديرة بالدعم والتكريم ، كما أن تجربته ملهمة لغيره ، ليس فقط في السعودية ، بل في مصر وليبيا وتونس والجزائر وكل أرض عربية ومسلمة ، وخاصة البلاد التي تعاني من اتساع نطاق التصحر وأيضا تعرض مساحات من أراضيها لخطر التصحر بسبب الرياح ، وأذكر أن تجربة مماثلة حدثت في مدينتي الجميلة “الإسماعيلية” قبل حوالي ثلاثين عاما تقريبا ، وكان محافظ المدينة الشاب وقتها عبد المنعم عمارة ، وكانت له أفكار شبابية ويدعم مثل تلك المبادرات ، فحدث أن خصصوا يوما للمدارس يقوم فيه التلاميذ الصغار بغرس شجرة ، كل تلميذ يغرس شجرة ، لتدريبهم على الاهتمام بالخضرة والبيئة ، وتعاملت المدارس مع الفكرة بنوع من الاستهتار والمجاملة للمسئول ، واتخذها التلاميذ الصغار فرصة للنزهة والخروج من جدران الفصول والمدارس ، غير أن ما لم يتخيله هؤلاء جميعا أن هذا اليوم صنع لمدينة الإسماعيلية منطقة هي الأجمل على الإطلاق فيها ، وأصبحت معلما من معالمها الجمالية ، وهي منطقة سميت بالغابة لكثافة الأشجار فيها ، على الطريق الدائري ، وكانت ـ وما زالت ـ كثافة الأشجار التي غرسها تلاميذ صغار وجمالها يخطف أبصار زائري المدينة من جمالها وغرابتها وكونها مشهدا لا يرونه عادة إلا في مدن أوربية عريقة في التحضر والاهتمام بالبيئة .

تخيلوا لو أن مثل هذه التجارب والمبادرات نشطت في مصر ، وخاصة في المدن التي تعاني أطرافها من التصحر أو مخاطر الرياح المحملة برمال الصحراء ، مثل السويس وبورسعيد والغردقة والاسكندرية ومطروح وحتى القاهرة نفسها حيث تتمدد أحياؤها الجديدة في عمق الصحراء ، كيف يكون وجه الحياة الجديد فيها وكيف تكون الصحة العامة ، فضلا عن اللمسات الجمالية على البيئة كلها .

نعاني في بلادنا الكثير من الهموم والمشكلات ، ويملأنا الطموح إلى إنجازات سياسية أو اقتصادية أو غيرها ، غير أن ذلك ليس مبررا لكي نغفل عن مثل تلك المبادرات الرائعة والمخلصة ، التي تستطيع بإمكانيات بسيطة أن تغير وجه الحياة في أرضنا وبلادنا ، والتي تحتاج إلى دعم المجتمع ودعم صاحب القرار أيضا ، فهي مما ينفع الناس ، ويمكث في الأرض .